فصل في الصلاة على الميت
(فصل): في الصلاة على الميت. وَشُرِعَت بالمَدينَةِ، وقيل هي مِنْ خصائِصِ هذِهِ الأمّة. (صلاةُ الميت) أي الميّت المُسلم غير الشهيدِ (فَرْضُ كفايةٍ) للإِجماعِ والأخبارِ، (كغَسلِهِ، ولو غَرِيقاً) لأنّا مأمورون بِغَسَلِه، فلا يَسقُط الفَرْضُ عَنا إلا بفعْلنا، وإن شاهَدنا الملائِكَةَ تَغْسِله. ويكفي غَسْلُ كافِرٍ، ويحصُل أقله (بتعميم بَدَنِهِ بالماءِ) مرّة حتى ما تحت قُلْفَةِ الأَقْلَفِ على الأصَحّ صبياً كانَ الأقْلَف أو بالِغاً. قال العباديّ وبعض الحنفية: لا يجب غَسْلُ ما تحتها. فعَلى المرجَّح لو تَعذَّرَ غَسْلُ ما تحْتَ القُلْفَة بأنها لا تتَقلّص إلا بجرحٍ، يممَ عما تحتَها. كما قاله شَيخنا، وأقرَّهُ غيره. وأكمله: تَثْليثُه، وأن يكون في خلوةٍ، وقميصٍ، وعلى مرتفعٍ بماء بارِدٍ إلا لحاجَةٍ كوَسَخٍ وبَرْدٍ، فالمُسَخَّنُ حينئذٍ أَوْلى. والمَالحُ أَوْلى مِنَ العَذْبِ. ويُبادِر بغَسْلِه إذا تيقّنَ مَوْته، ومَتى شُكّ في موتِهِ وَجبَ تأخِيرُهُ إلى اليَقينِ، بتَغَيّرِ رِيحٍ ونحوه. فذكرِهِمُ العلامات الكثيرة له إنما تُفيدُ، حَيْثُ لم يكن هناك شَكّ. ولو خرَجَ مِنه بَعدَ الغُسْلِ نجسٌ لم ينقُضِ الطُّهرَ، بَلْ تجِبُ إزالَتُهُ فقط إن خَرَجَ قبلَ التّكفينِ، لا بَعْدَه. ومَن تعذّرَ غُسْلُه لِفَقْدِ ماءٍ أو لغيره: كاحتراقٍ، ولَوْ غُسِلَ تَهَرَّى يمم وُجوباً.
[فرع]: الرّجل أَوْلى بِغُسلِ الرّجل، والمرأةُ أَوْلى بِغُسْلِ المرأةِ، ولَهُ غُسلُ حَليلةٍ، ولِزَوْجَةٍ لا أَمَةٍ غُسْلُ زَوْجِها، ولو نَكَحَتْ غَيرَه، بلا مَسّ، بل بلفّ خُرْقةٍ على يدٍ. فإِن خَالف صَحّ الغُسْلُ. فإِن لم يحضَرْ إلا أجْنَبيّ في المرأةِ أو أجنَبية في الرجلِ يممَ الميّت. نعم، لهما غُسْلُ مَن لا يُشْتَهى مِن صَبيّ أو صَبيّة، لحِلّ نَظَرِ كلّ ومَسّه. وأَوْلى الرجال به أوْلاهُم بالصّلاة كما يأتي. (وتكفينُه بساتِرِ عَوْرَةٍ) مختِلفَةٍ بالذكورَةِ والأنوثة، دون الرقّ والحُرِّية، فيجِبُ في المرأة ولو أمَة ما يستُرُ غيرَ الوجْهِ والكفين. وفي الرجل ما يسترُ ما بينَ السّرة والرُّكبة. والاكتِفاء بساتِر العَوْرَةِ هو ما صَحَّحه النوويّ في أكثَر كتبِه، ونَقَله عَن الأكثرين، لأنه حَقٌّ لله تعالى. وقال آخرون: يجبُ سَتْرُ جميع البَدَن ولو رَجلاً . ولِلغريمِ منعُ الزائِدِ على ساتِرِ كلّ البَدَنِ، لا الزائدُ على ساتِرِ العَوْرَة، لِتَأكّد أمْرِه، وكونه حقاً للمَيّت بالنسبةِ للغُرَماء، وأكملُه للذَّكَرِ ثلاثة يَعُمّ كل منها البَدَنَ، وجازَ أن يَزادَ تحتَها قميصٌ وعمامَةٌ، وللأنثى إزارٌ، فقَمِيصٌ، فَخِمارٌ فلُفافَتان. ويُكفّنُ الميّتُ بما لَه لِبْسُهُ حَياً، فيجُوزُ حَريرٌ ومُزَعْفَرٌ لِلمرْأةِ والصّبي، مع الكراهَةِ. ومحَلّ تجهيزِه: التَّرِكَةُ، إلاّ زَوجَةٌ وخَادِمُها: فعَلى زَوجٍ غنيّ عليه نَفقتُهُما، فإن لم يكُن له تَرِكَة فعَلى مَنْ عليهِ نَفقتُه، مِن قريبٍ، وسَيّدٍ، فَعَلى بيتِ المالِ، فعَلى مَياسِير المسلمين. ويَحْرُمُ التّكفينُ في جلدٍ إن وُجدَ غيرهُ، وكذا الطّينُ، والحشيشُ، فإِنْ لم يوجدْ ثوبٌ وَجَبَ جِلْدٌ، ثم حشيشٌ، ثم طينٌ فيما استَظْهَرَهُ شيخنا . ويَحْرُمُ كِتابَةُ شيء مِنَ القرآن واسماء الله تعالى على الكَفَنِ. ولا بأسَ بكتابَتِهِ بالرّيقِ، لأنه لا يُثْبُت. وأفتى ابن الصَّلاح بِحُرْمَةِ سَترِ الجنازةِ بحريرٍ ولو امرأة كما يَحْرُمُ تزيين بيتها بحريرٍ. وخَالفَهُ الجلالُ البَلِقينيّ، فجوَّزَ الحريرَ فيها وفي الطّفلِ، واعتمَدَهُ جَمْعٌ، معَ أن القياسَ الأوّل. (وَدَفْنُهُ في حُفْرَةٍ تمنعُ) بعد طَمِّها (رائحةً) أي ظهُورُها، (وسَبُعاً) أي نَبْشُهُ لها، فيأكُلَ الميّتَ. وخَرَجَ بِحفرةٍ: وَضْعُه بِوَجْهِ الأرضِ ويُبْنِى عليهِ ما يمنَعُ ذَيْنِك، حيث لم يَتعذَّرُ الحَفْرُ. نعم، مَنْ ماتَ بِسفينةٍ وتعَذَّرَ البَرّ جازَ إلقاؤُه في البَحْرِ، وتَثْقيلُهُ ليَرْسُبَ، وإلا فَلا. وبتمَنِّع ذَيْنِك ما يمنعُ أحَدُهما كأن اعتادَت سباعُ ذلك المحل الحفرَ عَن مَوْتاه فيَجِبُ بِناءُ القَبرِ، بحيث يمنع وُصولها إليهِ. وأَكملُه قبر واسعٌ عُمُقِ أربَعة أذرُعٍ ونِصفٍ بِذراعِ اليَدِ. ويجِبُ اضْطِجاعُهُ للقِبلَةِ. ويُنْدَبُ الإِفْضاءُ بخدِّهِ الأيمَن بعد تَنحِيَةِ الكَفَنِ عَنه إلى نحو تُرابٍ، مْبالغَةً في الاستِكانَةِ والذٌّلِّ، ورَفْعُ رَأسِهِ بنحوِ لَبِنَةٍ. وكُرِهَ صُندوق إلا لنحو نَداوَةٍ فيجِب ويَحْرُمُ دَفْنُهُ بلا شيء يمْنَعُ وُقوعَ التّرابِ عليه وَيَحْرُمُ دَفْنُ اثْنينِ مِنْ جِنسَيْن بقَبْرٍ، إن لم يكن بينَهُما محْرَمِيَّة، أو زَوْجِيّة، ومع أحدهما كُره كجَمْعِ مُتحِدَيْ جِنْسٍ فيهِ بلا حاجة. ويَحْرُمُ أيضاً: إدخالُ مَيِّتٍ على آخر، وإن اتحَدا جِنساً، قبل بَلاءِ جَميعِهِ، ويَرجَعُ فيه لأهْلِ الخِبرَةِ بالأرْضِ. ولو وُجدَ بعضُ عظمِهِ قبل تمامِ الحفْرِ وَجَبَ رَدّ تُرابِه، أو بعده فلا. ويجوزُ الدّفْنُ مَعَه، ولا يُكْرَهُ الدَّفنُ ليلاً خلافاً للحَسَنِ البَصَريّ والنَّهارُ أفضل للدّفن منه ويُرْفَعُ القَبْرُ قَدْرَ شبرٍ نَدباً، وتسطِيحُهُ أَوْلى مِن تَسنيمِهِ. ويُنْدَبُ لمنْ عَلى شَفيرِ القبرِ أنْ يُحْثي ثَلاثَ حَثيَاتٍ بيَدَيْه قَائلاً مع الأُولى: {مِنها خلَقْنَاكم}. ومع الثانية: {وَفيها نُعِيدُكُم}. ومع الثالثة: {وَمِنْها نخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرى}.
[مهمة]: يُسَنّ وَضْعُ جَريدَةِ خَضراءَ عَلى القَبرِ، للاتّباع، ولأنّه يُخفَّف عنه بِبرَكَةِ تَسْبيحِها. وقيسَ بها ما اعتيدَ مِن طَرْحِ نحوِ الرَّيحانِ الرَّطِبِ. وَيحرُمُ أخذُ شيءٍ مِنهما ما لم ييْبَسا لما في أخْذِ الأُولى مِن تفويتِ حَظَّ الميّتِ المأثورِ عنهُ، وفي الثانية مِن تفويتِ حَقّ الميّت بارتياح الملائِكَةِ النَّازِلين لِذلكَ. قاله شيخانا ابن حجر وزياد. (وكُرِهَ بِناءٌ له) أي لِلقَبْرِ، (أو عَليْهِ) لِصِحَّةِ النَهْيِ عَنْهُ بلا حاجة، كَخَوْفِ نَبْشٍ، أو حَفْرِ سَبُعٍ أو هَدْمِ سَيلٍ. وَمحَلّ كَراهَةِ البِناء، إذا كان بمُلْكِهِ، فإن كان بِناءُ نفسِ القبرِ بغيرِ حاجَةٍ مما مر، أو نحو قُبّة عليه بمسبلة، وهي ما اعتَادَ أهْلُ البَلدِ الدّفن فيها، عُرِفَ أصْلُها ومُسْبِلُها أم لا، أو مَوْقوفَةً، حَرُم، وَهُدِمَ وُجوباً، لأنه يتأبَّد بعد انمحاقِ الميّت، ففيهِ تَضْييقٌ على المسلمين بما لا غَرَضَ فيه.
[تنبيه]: وإذا هُدِمَ، تُرَدُّ الحِجَارَةُ المُخْرَجَةُ إلى أهْلِها إنْ عُرِفوا، أو يُخلى بينَهُما، وإلا فمالٌ ضائِعٌ، وحُكْمُهُ مَعْروفٌ كما قاله بَعْضُ أصحابِنا وقال شيخنا الزَّمْزَميّ: إذا بَليَ الميّتُ وأَعْرَض وَرَثَتُهُ عنِ الحِجارَةِ، جازَ الدّفنُ معَ بقائِها، إذا جَرَتِ العادَةُ بالإِعراضِ عَنْها، كما في السَّنابِلِ. (و) كُرِهَ (وَطْءٌ عليه) أي عَلى قبرِ مُسلمٍ، ولو مُهْدَراً قبلَ بَلاءٍ (إلا لِضَرُورَةٍ)، كأن لم يَصِل لِقبرِ مَيْتِهِ بِدونِهِ، وكذا ما يريد زيارَته ولو غير قريبٍ. وجَزَم شَرْحُ مُسلمٍ كآخرين بحُرْمَةِ القُعُودِ عليه والوطء، لخبرٍ فيه يَردّهُ أنّ المرادَ بالجلوسِ عليه جُلوسُه لِقَضاءِ الحاجَةِ، كما بيَّنَتْهُ رِوايةٌ أخرى. (ونَبْشُ) وُجوباً قبر من دُفِنَ بلا طَهارَةٍ (لِغُسلٍ) أو تيمم. نعم، إن تَغَيَّر ولو بِنَتَنٍ، حَرُمَ. ولأَجْلِ مالِ غيرٍ، كأن دُفِنَ في ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ، أو أرْضٍ مَغصوبةٍ، إن طَلَبَ المالِكُ، ووُجِدَ ما يُكفَّن أو يُدْفَن فيه، وإلا لم يَجُز النَّبشُ أَو سَقَطَ فيهِ مُتمَوِّل وإن لم يَطلُبْهُ مَالِكُه، لا للتَّكفين إن دُفِنَ بِلا كَفَنٍ، ولا للصَّلاةِ بعدَ إهالِة التُّرابِ عليه. (ولا تُدفَنُ امرَأةٌ) ماتَتْ (في بَطْنٌّها جَنينٌ حَتى يتحقَّقُ مَوْتُه)، أي الجنينُ. ويجِبُ شَقّ جَوْفها والنَّبشُ له إن رُجِيَ حَيَاته بِقَوْلِ القَوَابِلِ، لِبلوغِهِ سِتة أشْهُرٍ فأكثَر، فإِن لم يُرْجَ حَياته حَرُمَ الشّقّ، لكِن يُؤَخَّرَ الدّفْنُ حَتى يموتَ كما ذكِرَ وما قيل إنَّهُ يُوضع عَلى بَطْنِها شَيء ليموتَ غَلَطٌ فاحِش. (وُورِيَ) أي سُتِرَ بخَرْقَةٍ (سَقطٌ ودَفِنَ) وُجوباً، كطِفلٍ كافِرٍ نَطَقَ بالشّهادَتينِ، ولا يَجِب غَسْلُهُما، بَل يَجُوزُ. وخَرَجَ بالسَّقطِ العَلَقَةُ والمُضْغَة، فيُدْفَنانِ نَدباً مِن غَيرِ سَترٍ. ولَو انفَصَل بعدَ أربَعة أشْهُرٍ غُسِّلَ وكُفِّنَ، ودُفِنَ وُجوباً. (فإن اخْتَلجَ) أو اسْتَهلَّ بعد انفِصَالِه (صُليَ عليه) وُجوباً.
(وأرْكانُها) أي الصّلاةُ على الميّت، سَبْعَةٌ: أحَدهما: (نية) كغيرِها، ومِنْ ثُمّ وَجَبَ فيها ما يَجِبُ في نيّةِ سائِرِ الفروضِ، مِن نحوِ اقتِرانِها بالتحَرُّم، والتَّعَرُّضِ لِلفَرَضِيّةِ، وإن لمْ يَقُلْ فَرْض كِفايَةٍ، ولا يجِبُ تَعْيينُ الميِّتِ، ولا مَعْرِفَتُهُ، بل الواجِبُ أدنى ممَيَّزٍ، فيكفي أُصَلي الفَرْضَ عَلى هذا المِّيت. قال جَمْعٌ: يجِبُ تعيينُ الميِّتِ الغائِبِ بِنحْوِ اسمِهِ. (و) ثانيها: (قيامٌ) لِقادرٍ عليهِ، فالعَاجِزُ يَقْعَد، ثُمّ يضطَجِع. (و) ثالثها: (أربع تكبيراتٍ) مع تكبيرة التحرّم للاتّباع، فإن خَمَّسَ، لم تَبْطُل صَلاتُه. ويُسَنّ رَفْعُ يَدَيْهِ في التَّكْبيرات حَذْوَ مِنْكَبيْهِ، وَوَضْعُهما تحْتَ صَدْرِه بين كل تكبيرتين. (و) رابعها: (فاتحة)، فَبَدَلها، فوقوقٌ بقَدْرِها. والمعَتمد أنها تجزىءُ بَعْدَ غَيرِ الأُولى خِلافاً للحاوي، كالمحرَّر وإن لَزِمَ عَليهِ جمعُ رُكنين في تكبيرَةٍ وخلوِّ الأُولى عَن ذِكْرٍ. ويُسَنُّ إِسرارٌ بِغيرِ التكبيرات، والسَّلامُ، وتَعَوّذٌ، وتَرْكُ افتِتاحٍ، وسُورة، إلا على غائبٍ أو قبر. (و) خامسها: (صلاةٌ على النبيّ) (بعد تكبيرةٍ ثانيةٍ) أي عَقِبها، فلا تجزىء في غيرها. ويُنْدَبُ ضَمّ السّلامِ للصَّلاةِ، والدُّعاءِ للمؤمنين والمؤمنات عَقبها، والحمدُ قبلها. (و) سادسها: (دُعَاءٌ لميّتٍ) بخصوصِهِ ولو طِفلاً، بنحو: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، (بعد ثالثة)، فلا يجزىء بعد غيرِها قطعاً.
ويُسَنّ أن يُكْثِرَ مِنَ الدُّعاء له، ومأثُورُهُ أفضَل، وأَوْلاهُ ما رَوَاهُ مُسْلمٌ عنه وهو: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ له وارْحَمْهُ، واعْفُ عنه وعافِهِ، وأكْرِمْ نُزُلَهُ، ووَسِّعْ مَدْخلَهُ، واغْسِلْهُ بالماءِ والثّلجِ والبَرَدِ، ونَقِّهِ مِنَ الخطايا كما يُنَقى الثَّوبُ الأبيضُ من الدَّنَسِ، وأَبْدِلْهُ داراً خيراً من دَارِهِ، وأهْلاً خيراً من أهلِهِ، وزَوْجاً خيراً مِن زوجِهِ، وأدْخلْهُ الجنَّة، وأعِذْهُ مِن عَذابِ القبرِ وفتنَتِهِ ومِن عذابِ النار". ويزيد عليه، ندباً: "اللهمّ اغفِرْ لحيِّنا ومَيِّتنا" إلى آخِرِهِ. ويقول في الطفل مع هذا: "اللَّهُم اجْعَلْهُ فِرْطاً لأبَوَيْهِ، وسَلَفاً وذُخْراً وَعِظَةً واعْتِباراً وشَفيعاً، وثَقّلْ بهِ موازينَهُما، وأَفْرِغْ الصَّبرَ على قلوبِهِما، ولا تَفْتِنْهُما بعدَه، ولا تحرِمْهُما أجْرَه". قال شيخنا: وليس قوله: اللهمَّ اجعَلْه فرطاً إلى آخره مغنياً عن الدعاءِ له، لأنه دُعاء باللاّزِمِ، وهو لا يكفي، لأنه إذا لم يكفِ الدّعاء له بالعمومِ الشاملِ كلّ فَرْدٍ، فأَوْلى هذا. ويؤنَّثِ الضمائِرَ في الأنثى، ويَجُوزُ تذكِيرُها بإِرادةِ الميِّتِ أو الشَّخصِ، ويقول في ولدِ الزِّنا: "اللهُمَّ اجعَلْهُ فِرطاً لأمِّهِ". والمرادُ بالإِبدالِ في الأهْلِ والزوجَةِ، إِبدالُ الأوصافِ لا الذواتِ، لقوله تعالى: {ألحِقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُم} ولخبرِ الطَّبَرانيّ وغيره: "إن نساءَ الجنة من نساءِ الدنيا أفضل من الحورِ العِينِ". انتهى. (و) سابعها: (سلامٌ) كغيرِها (بعد رابعة)، ولا يجبُ في هذه ذِكرُ غيرِ السّلامِ لكن يُسَنّ: اللَّهُمّ لا تحرِمْنا أجْرَه أي أجْرَ الصّلاةِ عليهِ، أو أجْرَ المصيبةِ ولا تفْتِنّا بعدَه أي بارتكابِ المعاصي واغفِرْ لنا وله. ولو تخلَّفَ عن إِمامِهِ بلا عُذرٍ بتكبيرةٍ حَتى شَرَعَ إمامُهُ في أخرى بَطلت صلاتُه. ولو كَبَّرَ إمامُهُ تكبيرَةً أخرَى قبل قراءةِ المسبوقِ الفاتحةَ تابَعَهُ في تكبيرِهِ، وسقَطَتْ القراءَةُ عنه. وإذا سَلم الإِمامُ تدارَك المسبوقُ ما بقيَ عليهِ مَعَ الأذْكارِ. ويُقَدَّمُ في الإِمامَةِ في صَلاةِ الميّتِ ولو امرأة : أبٌ، أو نائبُهُ، فأبوهُ، ثم ابنٌ فابنُه، ثم أخٌ لأبَوَيْن فلأَبٍ، ثم ابنُهُما، ثُم العَمّ كذلك، ثم سائِرُ العُصُباتِ، ثم مُعْتَقٌ، ثُم ذُو رَحِمٍ، ثم زَوْجٌ (وشُرِطَ لها) أي للصلاة على الميت مع شروطِ سائِرِ الصّلوات (تَقَدُّمُ طُهْرِهِ) أي الميت بماءٍ فترابٍ، فإِن وقعَ بحُفْرَةٍ أو بحرٍ وتعذّرَ إخراجُه وطُهْرُه لم يصلَّ عليه على المعتمَدِ (وأن لا يُتَقدّم) المُصلى (عليه) أي الميت ، إن كان حاضِراً، ولو في قبرٍ، أما الميّت الغائبُ فلا يَضُرُّ فيه كَونُه وراءَ المُصلي. ويُسَنّ جَعْلُ صُفوفِهمْ ثلاثة فأكثر، للخبرِ الصّحيحِ: "مَنْ صَلى عَليهِ ثلاثةُ صفوفٍ فقدْ أَوْجَبَ" أي غُفِرَ له ولا يُنْدَبُ تأخيرُها لزيَادَةِ المصَلين، إلا لِوَليّ. واختارَ بعضُ المحققين أنه إذا لم يُخْشَ تغيُّرُه، يَنْبَغي انتظاره مائة أو أربعين رُجِيَ حُضورُهم قريباً، للحديث. وفي مُسْلم: "ما مِنْ مُسلمٍ يُصَلي عَليهِ أَمَةٌ مِنَ المسلمينَ يبلغون مائة كلّهم يشفعون له، إلا شُفِّعوا فيه" ولو صُليَ عليه فحَضَرَ مَنْ لم يُصَلِّ، نُدِبَ له الصَّلاةُ عليه، وتَقَعُ فَرْضاً، فينويه، ويثابُ ثوابُه. والأفضَلُ له فِعْلُها بعدَ الدّفن، للاتّباع. ولا يُنْدَب لمن صَلاّها ولو مُنفَرِداً إِعادتها مع جماعة. فإِن أعادَها وقَعَتْ نَفْلاً. وقال بعضُهُم: الإِعادَةُ خِلافُ الأُوْلى. (وتَصحُّ) الصَّلاة (على) ميّتٍ (غائبٍ) عن بلدٍ، بأن يكونَ الميّت بمحلٍ بعيدٍ عنِ البلدِ بحيث لا يُنْسَبُ إليها عُرْفاً، أخذاً من قولِ الزّركشيّ: إن خارِجَ السّورِ القريبِ منهُ كداخلَهُ. (لا) على غائبٍ عن مجلِسه (فيها) وإن كَبُرَت. نعم، لو تَعذّرَ الحضورُ لها بنحوِ حَبْسٍ أو مَرَضٍ: جازت حينئذٍ على الأوْجَه (و) تَصُحّ على حاضِرٍ (مَدفونٍ) ولو بَعْدَ بلائِهِ (غير نبيّ) فلا تَصُحّ على قبرِ نبي، لخبر الشيخين. (مِن أهلِ فَرْضِها وَقتَ مَوْتِهِ) فلا تَصُحّ مِن كافِرٍ وحائِضٍ يومئذٍ، كمن بَلَغَ أو أفاقَ بعد الموتِ، ولو قبلَ الغُسْلِ، كما اقتضَاهُ كلامُ الشيخين. (وسَقَطَ الفَرْضُ) فيها (بِذَكَرٍ) ولو صَبياً مميّزاً، ولو مَع وجودِ بالغٍ، وإن لم يحفَظ الفاتحةَ، ولا غيرها، بل وَقفٌ بِقَدْرِها، ولو مَعَ وُجودِ مَن يَحفَظها، لا بأنثى مع وجودِهِ. وتجوزُ على جَنَائِزَ صَلاةٌ واحدةٌ، فيَنْوِي الصَّلاةَ عليهِم إجمالاً. وحَرُمَ تأخيرُها عَنِ الدَّفنِ، بل يَسْقُطُ الفَرْضُ بالصَّلاةِ على القبرِ. (وتحْرُمُ صلاةُ) على كافِرٍ، لحُرمَةِ الدّعاءِ له بالمغفرةِ. قال تعالى: {وَلا تُصَلِّ على أحَدٍ مِنهُم ماتَ أبداً}. ومنهم أطفالُ الكُفار، سواء أَنَطقُوا بالشّهادتينِ أم لا فتحْرُمُ الصّلاةُ عليهِم.
و (عَلى شهيدٍ) وهو بِوَزنِ فَعيلٍ، بمعنى مفعولٍ، لأنّه مَشْهودٌ له بالجنّةِ، أو فاعِلٍ، لأن رُوحَهُ تشْهَدُ الجنّة قبلَ غيرِهِ. ويُطْلَقُ لفظُ الشّهيدِ على مَنْ قَاتَلَ لِتَكونَ كَلمَةُ الله هي العُليا، فَهُوَ شَهِيدُ الدّنيا والآخِرَةِ. وعَلى مَنْ قَاتَلَ لِنحْوِ حَمِيَّةٍ، فَهُوَ شَهيدُ الدّنيا. وعلى مَقْتُولٍ ظُلماً وغَرِيقٍ، وحَرِيقٍ، ومَبْطُونٍ أي مَنْ قَتَلَه بَطْنُهُ كاستِسْقاءٍ أو إِسهالٍ. فَهُمُ الشّهداء في الآخِرَةِ فَقط. (كَغسلِهِ) أي الشهيد، ولو جُنُباً، لأنه لم يغسِلْ قَتْلى أُحُد. ويَحْرُمُ إزالَة دَمِ شَهيدٍ. (وهو مَن ماتَ في قِتالِ كُفارٍ) أو كافِرٍ واحِدٍ، قبلَ انقِضائِهِ، وإنْ قُتِلَ مُدْبِراً (بِسَبَبِهِ) أي القِتالُ، كأَن أَصَابَهُ سِلاحُ مُسلمٍ آخَرَ خطأ، أو قَتَلَهُ مُسْلمٌ اسْتعانُوا بهِ، أو تَردَّى بِبِئْر حالَ قِتالٍ، أو جُهِلَ ما مَاتَ بهِ، وإن لم يكُن بهِ أَثَرُ دَمٍ (لا أسيرَ قُتِل صَبْراً) فإِنه ليسَ بِشَهيدٍ على الأصَحّ، لأن قَتْلَهُ ليسَ بمُقاتَلةٍ. ولا مَن ماتَ بَعدَ انقِضائِهِ، وقد بَقيَ فيهِ حَياةٌ مُسْتِقرّةٌ، إن قُطِعَ بموتِهِ بعد مَنْ جُرْحٍ بهِ. أما مَنْ حَرَكَتُه حَرَكةُ مَذْبُوحٍ عِندَ انقِضائِهِ فَشَهيدٌ جَزْماً. والحياةُ المستَقِرّة ما تجَوَّزَ أن يَبْقى يَوْماً أو يَوْمَينِ على ما قاله النّوَوِيّ والعمرانيّ . ولا مَنْ وَقَعَ بين كفارٍ فهرَبَ منهم فقتلوه، لأن ذلكَ ليسَ بقِتالٍ كما أفتى به شيخنا ابن زياد رحمه الله تعالى . ولا مَنْ قَتَلَهُ اغتيالاٍ حَرْبيٌّ دخلَ بينَنا. نعم، إن قتَلَهُ عن مُقاتِلَةٍ كانَ شهِيداً كما نقله السيّد السّمْهُودِيّ عن الخادمِ (وكُفّنَ) نَدباً (شهيدٌ في ثيابِهِ) التي ماتَ فيها، والمُلَطَّخَةُ بالدّمِ أَوْلى، للاتّباعِ، ولو لم تَكْفِهِ بأن لم تستُرْ كل بدنِه تممَت وُجوباً، (لا) في (حريرٍ) لَبِسَهُ لضرورَةِ الحربِ، فيَنزَع وُجوباً. (ويُنْدَب) أن يلقَّنَ محْتَضِرٌ ولو مميَّزاً على الأَوْجَه الشّهادَةُ: أي لا إله إلا الله، فقط لخبرِ مُسْلمٍ: "لَقِّنُوا مَوْتاكُم أي مَنْ حَضرَهُ الموتُ لا إله إلا الله" مع الخبرِ الصحيحِ: "مَن كانَ آخِر كلامِهِ لا إلهَ إلا الله، دخلَ الجنّة"، أي مع الفائزين. وإلا فكلٌّ مُسلم ولو فاسِقاً يَدْخلها، ولو بعد عذابٍ، وإن طال. وقولُ جَمْعٌ: يلقَّن "محمدٌ رسولُ الله" أيضاً، لأن القَصْدَ موتُهُ على الإِسلام، ولا يُسَمّى مسلماً إلا بهما مَردودٌ بأنه مُسْلمٌ، وإنما القَصْدُ خَتمُ كلامِهِ بلا إله إلا الله ليحصَل له ذلك الثوابَ. وبُحِثَ تلقينُهُ الرفيقُ الأعلى، لأنّه آخِر ما تَكلمَ به رسولُ الله، مردودٌ بأن ذلك لسبب لم يوجد في غيره، وهو أن الله خيَّرَهُ فاختارَه.
وأما الكافِر فيلقَّنُهما قطعاً، مع لفظِ أَشْهَدُ، لِوُجُوبِهِ أيضاً على ما سيأتي فيه إذ لا يَصِيرُ مسلماً إلا بهما. وأن يَقف جماعةٌ بعدَ الدَّفْنِ عند القَبرِ ساعةً يَسْأَلونَ لَهُ التثبيتَ ويَستغفرون لَه، و (تلقينُ بالغٍ، ولو شهيداً) كما اقتضَاهُ إطْلاقُهم خلافاً للزَّرْكشيّ (بعد) تمامِ (دفنٍ) فيقعد رجلٌ قُبالَةَ وَجْهِهِ ويقول: "يا عبدَ اللّهِ ابنَ أمةِ الله: اذْكُرْ العَهْدَ الذِي خَرَجْتَ عليهِ مِنَ الدُّنيَا: شهادَةُ أنْ لا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً رسول الله، وأن الجنّة حَقّ، وأن النار حقّ، وأن البعثَ حقّ، وأن الساعَةَ آتيَةٌ لا رَيْبَ فيها، وأن الله يَبعثُ مَنْ في القبورِ، وأنّكَ رَضيتَ باللّهِ رَبّاً، وبالإِسلامِ دِيناً، وبمحمدٍ نبياً، وبالقُرآنِ إماماً، وبالكَعْبَةِ قِبلَةً، وبالمؤمنين إخواناً. رَبي الله، لا إله إلا هو، عليه توكلتُ، وهو ربُّ العرشِ العظيم". قال شيخنا: ويُسَنّ تِكرَارهُ ثلاثاً، والأَوْلى لِلحاضرين الوُقوفُ، ولِلمُلقَّنِ القَعودُ. ونداؤهُ بالأُمِّ فيه أي إن عُرِفَت، وإلا فبِحَوّاءَ لا ينافي دُعاءَ الناسِ يَوْمَ القيامَةِ بآبائهم، لأن كليهما تَوْقيفٌ، لا مجالَ للرّأيِ فيه. والظاهِر أنه يُبْدل العبدَ بالأمَةِ في الأنثى، ويؤَنْث الضّمائِرَ. انتهى. (و) يُندَبُ (زيارة قبورٍ لرجُلٍ) لا لأنثى، فتُكْرَهُ لها. نعم، يُسَنّ لها زيارَة قبرِ النبيّ. قال بعضهم: وكذا سائِرَ الأنبياءِ، والعُلماءِ، والأَوْلياء. ويُسَنّ كما نص عليه أن يقرأ من القرآن ما تيَسَّر على القبرِ، فيدعُو لهُ مُسْتَقْبِلاً لِلقبلة. (وسَلامٌ) لزائرٍ على أهْلِ المقَبرةِ عُموماً، ثم خُصوصاً، فيقول: السلامُ عليْكُم دار قومٍ مؤمنين عند أوّلِ المقبرة . ويقول عند قبرِ أبيهِ مثلاً : السلامُ عليكَ يا والدي. فإِن أرادَ الاقتصارَ على أحدِهِما أتى بالثانية، لأنه أخصّ بمقصودِهِ، وذلكَ لخبرِ مُسلم: "أنه قال: السّلامُ عليْكُم دارَ قومٍ مؤمنين، وإنّا إن شاء اللّهُ بِكُم لاحِقون". والاستثناءُ للتَّبَرُّكِ، أو للدَّفنِ بتلكَ البقعةِ، أو للموتِ على الإِسلامِ.
[فائدة]: وَرَدَ أن {مَنْ ماتَ يومَ الجمعةِ أو ليلَتها أمِنَ مِنْ عذابِ القبرِ وفِتْنَتِهِ}. وورد أيضاً: "مَنْ قرأَ قُلْ هُوْ اللّهُ أحَد، في مرض موتِهِ مائةَ مرّة، لم يُفْتَنْ في قَبْرِهِ، وأمِنَ مِنْ ضَغْطَةِ القبرِ، وجَاوَزَ الصّراطِ على أكُفِّ الملائِكَةِ". وورد أيضاً: "مَنْ قال: لا إلهَ إلاّ أنتَ سُبْحانَكَ إني كنتُ مِنَ الظّالمين أربعين مرة في مَرضِهِ فماتَ فيه، أُعطِيَ أجرَ شهيدٍ، وإن بَرِىءَ بَرِىءَ مَغْفُوراً له". غفر الله لنا، وأعاذَنا مِنْ عَذابِ القبْرِ وفِتْنَتِهِ.