فصلٌ في الأذان والإِقامة
(فصلٌ): في الأذان والإِقامة هما لُغَةً: الإِعلامُ. وشرعاً: ما عُرِفَ من الألفاظِ المَشهورَةِ فيهما. والأصلُ فيهما الإِجماعُ المسبوقُ برؤيَةِ عبدِ الله بن زيدٍ المشهورَة ليلَةَ تشاوروا فيما يَجْمَع الناسَ، وهي كما في سُنَنِ أبي داود: عن عبد الله أنه قال: "لما أَمَرَ النبيُّ بالناقوسِ يُعْمَلَ لِيُضْرَبَ به للناسِ لجَمْعِ الصلاةِ، طافَ بي وأنا نائِمٌ رجلٌ يحمِلُ ناقوساً في يَدِهِ فقلتُ: يا عبد الله أتبيعُ النَّاقوسَ؟ فقال: وما تَصْنَعْ به؟ فقلتُ: نَدْعو به إلى الصَّلاةِ. قال: أَوَ لا أدُلُّكَ على ما هو خيرٌ من ذلك؟ فقلت له: بَلَى. فقال: تقول: اللّهُ أكَبُر اللّهُ أكبَرُ، إلا آخِر الأذانِ. ثم استأخَرَ عني غيرَ بعيدٍ ثم قال: وتقول إذا قُمْتَ إلى الصَّلاةِ: اللّهُ أكبَرُ اللّهُ أكبَرُ، إلى آخرِ الإِقامَةِ... فلما أصْبَحْتُ أتيتُ النبيَّ فأخبرْتُه بما رأيتُ فقال: "إنهَّا لرؤْيا حَقٌّ إن شاءَ اللّهُ. قُمْ مع بلالٍ فألْقِ عليه ما رأيْتَ فليُؤَذِّنْ به فإنَّهُ أنْدَى صَوْتاً مِنْكَ". فقمتُ مع بلالٍ فجَعلتُ ألقيهِ عليه فيؤذن به. فسمِعَ ذلك عمرُ بنُ الخطابِ وهو في بيتِهِ فخَرَجَ يَجُرُّ رداءَهُ ويقول: والَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ يا رسول الله لقدْ رأيتُ مثلَ ما رأى. فقال: "فَلِلَّهِ الحَمْدُ". قيل: رآها بضعَةُ عَشَر صحابياً. وقد يُسَنُّ الأذانُ لِغَيْرِ الصلاةِ، كما في أُذُنِ المَهمومِ والمَصروعِ والغَضْبانَ، ومن ساءَ خُلُقَهُ من إنسانٍ أو بهيمَةٍ، وعند الحَريقِ، وعند تَغَوُّلِ الغِيلانِ أي تمَرُّدِ الجِنِّ . وهو والإِقامَةُ في أُذُني المولودِ وخَلْف المُسافِرِ (يُسَنُّ) على الكِفايَةِ. ويحصَلُ بفِعْلِ البَعْضِ (أذانٌ وإقامَةٌ) لِخَبَرِ الصحيحين: "إذا حَضَرَت الصلاةُ فليُؤذِّنْ لكُم أحدُكُمْ". (لِذَكَرٍ ولو) صَبِيّاً، و (مُنْفَرِداً وإن سَمِعَ أذاناً) من غيرِهِ على المُعْتَمَدِ، خِلافاً لما في شرحِ مُسلِم. نعم، إن سَمِعَ أذانَ الجماعَةِ وأرادَ الصلاةُ معهُمْ لم يُسَنُّ له على الأَوْجَهِ (لِمَكتوبَةٍ) ولو فائِتَةٍ دون غيرِها، كالسُّنَنِ وصلاةِ الجنازَةِ والمَنْذورَةِ. ولو اقتصَرَ على أحَدِهُما لِنَحْوِ ضِيقِ وَقْتٍ فالأذانُ أَوْلَى به. ويُسَنُّ أذانانِ لِصُبْحٍ واحدٍ قبلَ الفَجْرِ، وآخَرُ بعدَه، فإن اقتصَر فالأوْلى بعدَه. وأذانان للجُمُعَةِ، أحدُهُما بعد صُعودِ الخَطيبِ المِنْبَرَ. والآخر الذي قبلَهُ إنما أحْدَثَهُ عثمانُ رَضِيَ اللّهُ عنهُ لمَّا كَثُرَ النَّاسُ، فاستِحْبابُه عند الحاجَةِ كأن تَوَقَّفَ حضورُهُم عليه، وإلا لكانَ الاقِتصارُ على الاتِّباع أفْضَلُ. (و) سُنَّ (أن يُؤَذّنَ لِلأُولى) فقط (من صَلواتٍ تَوالَت) كفوائِتَ وصلاتَيْ جَمْعٍ وفائِتَةٍ، وحاضِرَةٍ دَخَلَ وَقْتُها قبلَ شُروعِهِ في الأذانِ. (ويُقيمَ لكل) منها للاتِّباع. (و) سُنَّ (إقامَةٌ لأنثى) سِرّاً، وخُنْثَى فإن أذَّنَت للنِّساءِ سِرّاً لم يُكْرَهُ، أو جَهْراً حُرِمَ. (ويُنادَي لِجماعَةِ) مشروعَةٍ (في نَفْلٍ) كعيدٍ وتراويح ووتر أُفْرِدَ عنها برمضان وكُسوفٍ. (الصَّلاةُ) بِنَصْبِهِ إغراءٌ، ورفْعُه مُبْتَدأ، (جامِعَةٌ) بِنَصْبِه حالاً، ورفْعُهُ خَبراً للمَذكورِ. ويُجْزِىءُ: الصَّلاةُ الصلاةُ، وهَلُمّوا إلى الصلاةِ. ويُكْرَهُ: حَيَّ على الصَّلاةِ. وينبغي نَدْبُهُ عند دُخولِ الوقْتِ وعندَ الصَّلاةِ ليكونَ نائِباً عن الأذانِ والإِقامَةِ وخَرَجَ بقولي لِجَماعَةٍ ما لا يُسَنّ فيه الجَماعَةُ وما فُعِلَ فَرادَى، وبِنَفْلٍ مَنْذورَةٌ وصَلاةٌ جنازَةٌ. (وشُرِطَ فيهما) أي في الأذانِ والإِقامَةِ. (ترتيبٌ) أي الترتيبُ المَعْروفُ فيهما، للاتِّباع. فإن عَكَسَ ولو ناسِياً لم يَصُح وله البِناءُ على المُنْتَظمِ منهما. ولو تَرَكَ بعضَهُما أتى به مع إعادَةِ ما بعدَهُ. (وولاءٌ) بين كلماتِهِمَا. نعم، لا يَضُرُّ يسيرُ كلامٍ وسُكوتٌ ولو عَمْداً. ويُسَنُّ أن يَحْمَدَ سِراً إذا عَطَسَ، وأن يُؤخِّرَ ردَّ السلامِ وتشميتَ العاطِسِ إلى الفراغِ. (وجَهْرٌ) إن أذَّنَ أو أقامَ (لِجَماعَةٍ)، فينبغي إسماعُ واحِدٍ جميع كلماتِهِ. أما المُؤَذِّنُ أو المُقيمُ لِنَفْسِهِ فيكفيهِ إسماعُ نفسِهِ فقط. (ووقتٌ) أي دُخوله (لغير أذانِ صُبْحٍ) لأن ذلك للإِعْلامِ، فلا يجوزُ ولا يَصُحُّ قَبْلَهُ.
أما أذانُ الصُّبْحِ فَيَصُحُّ من نصفِ لَيْلٍ. (وسُنَّ تثويبٌ) لأذانَيْ (صُبْحٍ، وهو أن يقولَ بعدَ الحَيْعَلَتَيْنِ: الصَّلاةُ خيرٌ من النَّومِ، مرَّتَيْنِ). ويُثَوِّب لأذانِ فائِتَةِ صُبْحٍ، وكُرِهَ لغيرِ صُبْحٍ. (وتَرْجِيعٌ) بأن يأتِيَ بِكَلِمَتي الشَّهادَتينِ مرتين سِراً، أي بِحيث يُسْمِعَ مَنْ قَرُبَ منه عُرْفاً قبلَ الجَهْرِ بهما للاتِّباع، ويَصُحّ بدونِهِ. (وجَعْلُ مْسَبِّحَتَيْه بِصُماخَيْه) في الأذانِ دونَ الإِقامَةِ، لأنه أجْمَعُ لِلصَّوْتِ. قال شيخنا: إن أرادَ رَفْعَ الصّوْتِ به، وإن تَعذَّرَت يدٌ جَعَلَ الأخْرَى، أو سُبابَةٌ سُنَّ جَعْلُ غيرِها من بَقِيَّةِ الأصابِعِ. (و) سُنَّ (فيهما) أي في الأذانِ والإِقامَةِ (قيامٌ) وأن يؤذّنَ على موضِعٍ عالٍ، ولو لم يَكُنْ لِلمَسْجِدِ منارَةٌ سُنَّ بِسَطْحِهِ ثم بِبابِهِ. (واستِقْبالٌ) لِلْقِبْلَةِ، وكُرِهَ تَرْكُه. (وتحويلُ وَجْهِهِ) لا الصَّدْر (فيهما يَميناً) مَرَّة (في حَيَّ على الصّلاةِ) في المرتين، ثم يَرُدّ وَجْهَهُ لِلقِبلَةِ (وشِمالاً) مَرَّة (في حَيَّ على الفَلاحِ) في المرتين، ثم يَرُدُّ وَجْهَهُ لِلقِبلَةِ. ولو لأذانِ الخُطْبَةِ أو لِمَن يؤذِّنْ لنفسِهِ. ولا يلتفِتْ في التَّثْوِيبِ، على نِزاعٍ فيه.
[تنبيه]: يُسَنُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بالأذانِ لِمُنْفَرِدٍ فوقَ ما يُسمَع نفسَهُ، ولمن يُؤذن لجماعَةٍ فوق ما يُسْمِع واحداً منهُم، وأن يبالِغَ كلٌّ في جَهْرٍ به للأمْرِ به، وخَفْضُه به في مُصَلَّى أقيمَت فيه جماعَةٌ وانصَرَفوا، وتَرتيلُه، وإدراجُ الإِقامَةِ، وتسكينُ راءِ التكبيرِ الأُولى. فإن لم يَفْعَلْ فالأفصَحُ الضَّمّ. وإدغامُ دالِ محمدٍ في راءِ رَسولِ اللّهِ لأن تَركَه من اللَّحنِ الخَفِيّ. وينبغي النُّطْقُ بهاءِ الصلاةِ، ويُكْرَهان من مُحْدِثٍ وصبيَ وفاسقٍ. ولا يَصُحّ نَصْبُه، وهما أفضل من الإمامة لقوله تعالى: {وَمَنْ أحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ} قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عنها: هُمُ المُؤَذِّنونَ. وقيلَ: هِي أفضَلُ مِنهُما، وفُضِلَتْ من أحَدِهِما بلا نِزاعٍ. (و) سُنَّ (لسامِعِهما) سَماعاً يُمَيِّز الحُروفَ، وإلا لم يُعْتَدّ بِسَماعِهِ كما قال شيخنا . آخراً (أن يقولَ ولو غيرَ مُتَوضَّىءٍ) أو جُنُباً أو حائِضاً خلافاً للسبكي فيهما أو مُسْتَنْجِياً فيما يظهر، (مثل قولهما إن لم يَلْحَنا لحناً يُغَيِّر المَعْنى). فيأتي بِكُلِّ كلمةٍ عَقِبَ فراغِهِ منها، حتى في الترَّجيعِ وإن لم يَسْمَعْه. ولو سَمِعَ بعضَ الأذانِ أجابَ فيه وفيما لم يَسْمَعْه. ولو تَرَتَّبَ المؤذنون أجابَ الكُلَّ ولو بعدَ صلاتِهِ. ويكرَهُ تَرْكُ إجابَةِ الأوّل. ويَقطَعُ للإِجابَةِ القراءَةَ والذِّكْرَ والدُّعاءَ. وتُكْرَهُ لِمُجامِعٍ وقاضي حَاجَةٍ، بل يُجِيبان بعدَ الفراغِ، كَمُصَلَ إن قَرُبَ الفَصْلُ، لا لِمَنْ بِحَمَّامٍ، ومن بَدَنَه ما عدا فَمِه نَجِسٌ وإن وَجَدَ ما يتطهَّر به. (إلاَّ في حَيْعلاتٍ فَيُحَوْقِل) المُجيبُ، أي يقولُ فيها: لا حَوْلَ ولا قُوَّة إلا باللّهِ العَليِّ العظيمِ. أي لا تَحَوُّلَ عن معصِيَةِ الله إلا بِهِ ولا قُوَّةَ على طاعَتِهِ إلا بِمَعونَتِه. (ويُصدِّق) أي يقول: صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ، مرتين. أي صرتَ ذا بُرَ، أي خيرٍ كثيرٍ. (إن ثوَّبَ) أي أتى بالتَّثويبِ في الصُّبحِ. ويقول في كَلِمَتي الإِقامَةِ: أقامَها اللّهُ وأدامَها وجَعَلَني من صالِحِي أهْلِها. (و) سُنَّ (لكل) من مُؤذّنٍ ومُقيمٍ وسامَعِهما (أن يُصَلِّيَ) ويُسَلِّمَ (على النبي) (بعد فَراغِهما)، أي بعدَ فراغِ كل مِنُهما إن طالَ فَصْلٌ بينَهُما، وإلا فيكفِي لهما دعاءٌ واحِدٌ. (ثم) يقولُ كلٌّ منهم رافِعاً يدَيْه: (اللهُمَّ ربّ هذهِ الدعوَة) أي الأذانِ والإِقامَةِ، (إلى آخرِهِ). تتمَّتُهُ: التَّامَّة والصَّلاةُ القائِمَةِ، آتِ مُحَمّداً الوَسِيلَةَ والفَضِيلَةَ وابْعَثْهُ مَقاماً مَحْموداً الذي وَعَدْتَهُ. والوَسيلَةُ هي أعْلَى درَجَةٍ في الجنَّةِ. والمقامُ المحمودُ مقامُ الشَّفاعَةِ في فَصْلِ القضاءِ يَوْم القيامَةِ.
ويُسنُّ أن يقولَ بعد أذانِ المَغرِبِ: اللهَّم هذا إقبالُ ليلِكَ وإدبارُ نهارِكَ وأصواتُ دُعاتِكَ فاغْفِرْ لي. وتسنُّ الصلاةُ على النبيِّ قبل الإِقامَةِ، على ما قاله النوويُّ في شرحِ الوَسِيطِ، واعتمَدَهُ شيخنا ابن زياد، وقال: أما قبلَ الأذان فلم أَرَ في ذلكَ شيئاً. وقال الشيخ الكبير البكري أنها تُسَنُّ قبلَهُما، ولا يُسَنُّ محمدٌ رسولُ اللّهِ بعدَهُما. قال الرَّوياني في البَحْرِ: يُسْتَحَبُّ أن يقرَأَ بين الأذان والإِقامَةِ آيَةَ الكُرْسِيّ لِخَبرِ: "إنَّ مَنْ قرأَ ذلكَ بين الأذانِ والإِقامَةِ لم يُكْتَبْ عليهِ ما بين الصلاتين".
[فرع]: أفتى البَلْقيني فيمَنْ وافَقَ فراغُهُ من الوُضوءِ فَراغَ المُؤذِّنِ، بأنه يأتي بِذِكْرِ الوُضوءِ لأنه للعبادَة التي فرَغَ منها، ثم بذِكْرِ الأذانِ. قال: وحَسُنَ أن يأتِيَ بشهادَتَي الوُضوءِ ثم بِدُعاءِ الأذانِ لِتَعَلُّقِهِ بالنبيِّ، ثم بالدُّعاءِ لِنَفسِهِ.