← Назад к списку глав

فصل في صلاة الجماعة

(فصل) في صلاة الجماعة وَشُرِعَت بالمدِينَةِ. وَأَقَلّها إِمامٌ وَمَأْمُوم، وهِي في الجُمعَةِ، ثم في صُبْحِها، ثُم الصبْحِ، ثم العِشاءِ، ثم العَصر، ثم الظُّهرِ، ثُم المغربِ أفْضَل. (صَلاة الجماعَة في أداء مكتوبةٍ) لا جُمعةٍ (سُنَّة مؤكَّدَة) لِلخَبَرِ المتَّفقِ عَليه: "صَلاةُ الجماعَةِ أفْضَلُ مِنْ صَلاة الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشرينَ دَرَجة". والأفضَليَّة تَقتَضي النَّدْبية فقط، وحِكْمة السَّبْع وَالعِشْرينَ: أن فيها فوائِدَ تَزِيدُ عَلى صَلاةِ الفَذِّ بِنحْو ذلِكَ. وَخَرَجَ بالأَدَاء القَضَاءُ. نَعَم، إِنِ اتَّفَقَتْ مَقْضِيَّة الإِمام والمأموم سُنَّت الجماعة، وإلا فخلاف الأولى، كَأداءِ خلْفَ قَضاء، وَعَكْسه، وَفَرْضٌ خلفَ نَفلٍ، وعكسه، وَتَراوِيحُ خلْفَ وِتر، وعكسه. وَبالمكتوبةِ: المَنذورةُ والنافلُة، فلا تُسَنُّ فيهما الجَماعَة، وَلا تُكْرهُ. قالَ النّووي: وَالأصحُّ أنها فَرْضُ كِفايَةٍ للرجال البالغينَ الأحرار المقيمينَ في المؤاداة فقط، بحيث يظهر شِعارها بمحلّ إِقامَتِها، وَقيل إنها فَرضُ عَيْنٍ وهو مَذهبُ أحمد وَقيلَ شَرطٌ لِصحة الصلاة، ولا يتأكَّدُ الندبُ لِلنساءِ تأكُّدَهُ لِلرجال، فلذلك يُكْرَه تَركُها لَهُمْ، لا لهن. والجماعة في مكتوبة لذكر بمسجد أفضل، نعم، إن وُجِدَت في بيته فقط فهو أفضل، وكذا لو كانت فيه أكثر منها في المسجد على ما اعتمده الأذرعي وغيره . قال شيخنا: والأوْجَهُ خِلافه، وَلو تعارَضت فضيلةُ الصَّلاة في المسجدِ والحضور خارِجه: قُدِّمَ فيما يظهر لأنَّ الفَضِيلةَ المتعَلّقة بذات العِبادِة أَوْلى مِنَ الفضيلة المتعلقة بمكانها أو زمانِها، والمتعلقة بزمانها أَوْلى مِن المتعلقة بمكانها. وَتُسَنُّ إعادة المكتوبِة بِشرطِ أن تكون في الوقِت، وأن لا تُزادَ في إعادتها على مرة خلافاً لشيخ شيوخنا أبي الحسن البكري رحمه الله تعالى وَلو صُليَتِ الأُولى جماعَةً مع آخر ولو واحداً، إماماً كان أو مأموماً، في الأولى أو الثانية، بنية فرض. وإن وَقَعتْ نَفْلاً فينوي إعادةَ الصلاةِ المفروضةِ. واختار الإمام أن ينوي الظهر أو العصر مثلاً ولا يَتَعَرَّضُ لِلفرضِ، ورَجَّحَهُ في الرَّوْضَةِ، لَكن الأوَّل مُرَجَّح الأكثرين، والفرضُ الأولى، ولو بان فساد الأُولى لم تجْزِئهُ الثانية على ما اعتمده النووي وشيخنا، خلافاً لما قاله شيخه زكريّا، تبعاً للغزالي وابن العماد أي إذا نوي بالثانية الفَرْضَ (وهي بجمع كثير أفضل) منها في جمع قليل، للخبر الصحيح: "وما كان أكثر، فَهُوَ أحَبّ إلى الله تعالى" (إلا لِنحْوِ بِدْعَةِ إمامه) أي الكثير: كرافضي، وفاسق، ولو بمجرد التهمة. فالأقل جماعة بل الانفراد أفضل، كذا قاله شيخنا تبعاً لشيخه زكريا رحمهما الله تعالى . وكذا لو كان لا يعتقد وُجُوب بَعْضِ الأركانِ أو الشّروطِ، وإن أَتى بِهَا، لأنه يُقْصَدُ بها النّفلية، وهو مُبْطِلٌ عِندنا. (أو) كون القليل بمسجد مُتيقّن حِلّ أرضه، أو مال بانيه، أو (تَعطُّلِ مَسجد) قرِيب أو بعِيد (منها) أي الجماعة بغيبته عنه لكونه إمامه، أو يحضر الناس بحضوره، فقليل الجمع في ذلك أفضل من كثيره في غيره. بل بحث بعضهم أن الانفراد بالمتعطل عن الصلاة فيه بغيبته أفضل، والأوجه خلافه. ولو كان إمام القليل أولى بالإمامة لنحو عِلمٍ كان الحضور عنده أَوْلى. وَلَوْ تَعَارَضَ الخُشوعُ والجماعةُ فهي أَوْلى. كما أطبقوا عليه حيث قالوا: إن فرض الكفاية أفضل من السنة. وأفتى الغزالي، وتبعه أبو الحسن البكري في شرحه الكبير على المنهاج بأولوية الانفراد لمن لا يخشع مع الجماعة في أكثر صلاته. قال شيخنا: وهو كذلك، إن فات في جميعها. وإفتاء ابن عبد السلام بأن الخُشوعَ أَوْلى مُطْلَقاً إنما يأتي على قَوْلِ أنّ الجماعةَ سُنّة. وَلو تَعارضَ فَضِيلةُ سَماعِ القُرآنِ من الإمام مع قلةِ الجَماعةِ وعدمِ سماعه مع كثرتِها، كان الأول أفضل. ويجوز لمنفرد أن ينوي اقتداء بإِمام أثناء صلاته، وإن اختلفت ركعتهما لكن يُكْرَهُ ذَلكَ لَه دُونَ مَأْمُومٍ خَرَج مِنَ الجماعِة لِنحو حَدثِ إمَامِه فلا يُكْرَهُ لَه الدُّخول في جماعة أخرى. فإِذا اقْتَدَى في الأثناء لزمه موافقة الإِمام. ثم إن فَرَغ أوّلاً كمسبوقٍ، وإلا فانتظاره أفضل. وتجوز المفارقة بلا عذر، مع الكراهة، فتفوت فضيلة الجماعة. والمفارقة بعذر: كمرخص تَرَكَ جَماعةً، وتَرْكُهُ سُنَّة مقصودة كتشهّدٍ أوَّل، وقُنوتٍ، وَسْورةٍ، وَتَطويله وبالمأموم ضَعْفٌ أو شُغل لا تفوَّت فَضِيلَتُها. وقد تجب المفارقة، كَأَن عَرَضَ مُبطلٌ لِصَلاةِ إمامهِ وقد عَلمَه فيلزمهُ نيَّتها فوراً وإلا بَطُلَت، وإن لم يُتابِعهُ اتفاقاً، كما في المجموع. (وتُدْرَكُ جماعة) في غير جمعة، أي فضيلَتُها، للمصلي (ما لم يسلم إمام) أي لم ينطق بميم عَليْكُم في التسليمةِ الأَولى، وإن لم يَقعَدْ معه بأن سَلم عَقِبَ تحَرُّمه لإِدراكه رُكناً معه، فيحصلُ لَهُ جَمِيعُ ثَوَابها وفَضْلِها، لكنه دون فضل من أدركها كلها. ومَنْ أدرَكَ جُزْءاً مِن أوّلها، ثم فارق بعذرٍ أو خرجَ الإِمام بنحو حدثٍ، حصلَ له فضلُ الجماعة. أما الجمعة، فلا تدرك إلا بركعة كما يأتي ويُسَنّ لجمعٍ حَضَروا والإِمامُ قد فَرَغَ من الرّكوعِ الأخيرِ أن يصبروا إلى أن يُسَلم ثم يُحْرِموا ما لم يَضقِ الوقت . وكذا لمن سُبِقَ بِبَعْضِ الصّلاة وَرَجا جماعةً يُدرِك مَعَهُم الكلّ. لكن قال شيخنا إن محله ما لم يفت بانتظارهم فضيلة أوَّل الوقت، أو وقت الاختيار، سواء في ذلك الرجاء واليقين. وأفتى بعضهم بأنه لو قصدها فلم يدركها كُتِبَ له أجرُها، لحديثٍ فيه. (و) تُدْرَكُ فَضِيلةُ (تحرّم) مع إمام (بحضوره) أي المأموم التحرُّمَ (واشتغالٍ به عقب تحَرُّمِ إمامه) من غير تراخٍ، فإن لم يَحْضَرْه أو تَراخى فاتَتْهُ فَضِيلَتُه. نعم، يُغْتَفَر لَه وَسْوَسَة خَفيفة وإِدْرَاكُ تحرُّم الإمام فضيلة مستقلة مأمور بها لكونه صفوة الصلاة، ولأن مُلازِمه أربعين يوماً يكتب له براءَةٌ مِنَ النار وبراءةٌ مِن النَّفاقِ كما في الحديثِ وَقيل: يَحْصَلْ فَضيلةُ التحرُّمِ بإِدراكِ بعضِ القيَام. وَيُنْدَبُ تركُ الإِسراعِ وَإنْ خَافَ فَوْتَ التحَرُّمِ، وكذا الجماعة على الأصح إلا في الجمعة، فيجب طاقَتَه إن رجا إدراك التحرم قبل سلام الإمام. ويُسَنّ لإمامٍ وَمُنفَرِدٍ انتظارٌ داخل محل الصَّلاةِ مُريداً الاقتِدَاءِ به في الركوع والتَّشَهُّدِ الأخير لله تعالى بلا تطويل ، وتمييزٌ بين الداخلين، ولو لنحو عِلمٍ. وكذا في السجدة الثانية ليلحق موافق تخلف لإِتمام فاتحة، لا خارج عن محلّها، وأن صَغُرَ المسجد، ولا داخلٍ يعتادُ البُطْءَ. وتأخيرُ الإِحرَام إِلى الرّكوعِ، بَلْ يُسَنّ عَدَمُهُ زجراً له. قال الفوراني: يُحْرَمُ الانتظارُ لِلتَّودُّدِ، ويُسَنّ للإِمام تخفيفُ الصلاةِ مع أَبْعاضٍ وهَيْئاتٍ بحيث لا يقتصر على الأقل، ولا يستوفي الأكمل، إلا أن رَضِيَ بتطويله محصورون. وكُرِهَ لَهُ تَطويلٌ، وإن قَصَدَ لحوقَ آخرينَ. ولو رأى مُصلَ نحَو حَريقٍ خَفَّفَ، وَهَلْ يلزم أم لا؟ وَجهان، والذي يتجه أنه يلزمه لإِنقاذِ حَيَوانٍ محتَرم، ويجوزُ لَهُ لإِنقاذِ نحوِ مَالٍ كذلك، وَمَنْ رأى حيواناً محترماً يَقصُدُه ظالمٌ أو يَغْرق لزِمَهُ تخليصه وتأخيرَ صلاة، أو إِبطالها إن كان فيها، أو مالاً جاز له ذلك. وكُرِهَ لَهُ تَركه. وكُرِهَ ابتداء نفلٍ بعد شروعِ المقيم في الإقامة ولو بغير إذنِ الإمام، فإن كان فيه أَتمَّهُ، إن لم يَخْشَ بإِتمامِهِ فَوْتَ جماعَةٍ، وإلا قَطَعَهُ نَدباً ودخل فيها، ما لمْ يَرْجُ جماعةً أخرى. (و) تُدرَكُ (رَكْعَة) لمسبوقٍ أدْرَكَ الإمامَ راكعاً بأمرين: (بتكبيرةِ) الإحرام، ثم أخرى لهويّ، فإِن اقتصر على تكبيرة اشترط أن يأتي بها (لإِحرام) فقط، وأن يُتمّها قبل أن يصير إلى أقلِّ الركوع، وإلا لم تَنْعَقِد إلا لجاهِلٍ فَتَنْعَقِد لَهُ نَفلاً، بخلاف ما لو نَوَى الرُّكوعَ وَحْدَه، لخلوِّها عَنِ التحَرُّم، أو مع التحرُّم لِلتَّشْريكِ، أو أَطْلَقَ لِتَعَارُضِ قَرِينَتي الافْتِتاحِ والهُوِيّ، فَوَجَبتْ نيةُ التحرُّمِ لَتمتازَ عما عارَضَها مِنْ تَكبيرَةِ الهُوِيّ. (و) بإِدراكِ (رُكوعٍ محسُوبٍ) للإِمام وإن قَصَّرَ المأمومُ فلم يُحْرِم إلا وهو رَاكِع. وخرج بالرّكوعِ غَيْرُه، كالاعتِدالِ وبالمحْسوبِ غيُره كرُكوعِ محدِثٍ، وَمَنْ في رَكعةٍ زائِدَةٍ. وَوَقَعَ لِلزركَشِيّ في قَوَاعِدِه، ونَقَلَهُ العَلاّمَة أبو المسعودِ وابن ظهيرة في حاشية المنهاج: أنه يُشْتَرطُ أيضاً أن يكون الإمامُ أهلاً لِلتحمُّلِ، فلو كان الإمام صَبياً لم يكن مُدْركاً للركعة، لأنه ليس أهلاً للتحمُّل. (تام) بأن يَطْمئن قبل ارتفاعِ الإمام عن أقلِّ الرُّكوعِ، وهو بُلوغُ رَاحَتيْهِ رُكبَتيه (يقيناً)، فَلَوْ لم يَطْمَئِنَّ فيهِ قبِلَ ارتفاعِ الإمامِ مِنه، أَوْ شَكَّ في حُصُولِ الطُّمأنينَةِ، فلا يُدْرِك الرَّكعةَ، ويَسْجُدُ الشَّاكُّ لِلسَّهوِ كما في المجموع لأنّه شَاكٌّ بَعدَ سَلامِ الإِمامِ في عَددِ رَكَعاتِهِ، فلا يتحمل عنه. وبحث الأسنوي وُجوبَ رُكوع أدْرَكَ بهِ رَكعةً في الوقْتِ. (ويُكبِّر) ندباً (مَسْبوقٌ انتقَلَ مَعَه) لانتقالِه، فلو أدْرَكَهُ مُعْتَدِلاً كَبَّرَ لِلهُوِيِّ وما بَعْده، أو ساجداً مثلاً غير سَجْدَةِ تِلاوةٍ لم يُكَبِّر للهويِّ إليه، ويُوافِقه ندباً في ذكرِ ما أدْرَكَهُ فيهِ من تحميدٍ، وتَسبيحٍ، وتَشَهُّدٍ، ودُعاء، وَكذا صلاةٍ على الآلِ، ولو في تَشَهُّدِ المأمومِ الأوَّل. قاله شيخنا. (و) يُكبِّرُ مسبوقٌ لِلقيامِ (بعد سَلامَيْهِ إن كان) المحل الذي جلس مَعه فيه (موضع جُلوسِهِ) لو انفَرَدَ، كأن أَدْرَكَه في ثَالثةِ رُباعِيَّة، أو ثانيِة مَغربٍ، وَإلا لم يكبَّر لِلقيام، ويَرْفَع يَدَيْه تَبِعاً لإِمامِهِ القائمِ مِنْ تَشهُّده الأوّل، وإن لم يكن محل تشهده، ولا يتورَّك في غيرِ تشهده الأَخير. ويُسَنّ له أن لا يَقُومَ إِلاّ بَعْدَ تَسْليمَتي الإِمام. وَحَرُمَ مُكثٌ بعد تسليمَتيْه إن لم يكن محل جلوسه فتبطل صلاتُه به إن تَعمَّد وعَلمَ تحريمَه. ولا يَقوم قبل سلام الإمام، فإن تَعَمَّده بلا نيَّةِ مُفارَقَةٍ بطُلَت. والمرادُ مُفارَقَةُ حَدِّ القعودِ، فإِن سَها أو جَهَل لم يُعْتدّ بجميع ما أتى به حتى يَجْلِس، ثُمّ يَقومُ بعد سَلامِ الإِمام. ومتى عَلمَ ولم يَجْلِس بَطَلَت صَلاتُه. وبه فارَقَ مَنْ قَام عن إمامِهِ في التّشهُّدِ الأَوَّلِ عامداً، فإِنه يعتدّ بقراءَتِهِ قَبلَ قيام الإِمام لأنه لا يلزمْهُ العَوْدُ إليه، (وشُرِط لقدْوَةٍ) شُروطٌ منها: (نيةُ اقتداءٍ، أو جماعةٍ)، أو ائتمامٍ بالإمام الحاضِرِ، أو الصَّلاةِ مَعَهُ، أو كَوْنَه مأموماً (مع تحرّم) أي يجب أن تكون هذه النيّة مُقْترِنَةً مع التحرُّم. وإذا لم تَقْتَرِنُ نيةٌ نحوَ الاقِتداءِ بالتحُّرمِ لم تَنْعَقِدِ الجُمُعَة لاشتراطِ الجَماعَةِ فيها، وَتَنْعَقِد غَيُرها فَرَادَى. فَلَوْ تَرَكَ هذِهِ النيةَ، أَوْ شكِّ فيها، وتابعَ مُصلياً في فعلٍ، كأن هَوَى لِلركوعِ متابعاً له، أو في سلامٍ بأن قَصَدَ ذلكَ مِنْ غيرِ اقتداءٍ به وَطَالَ عُرْفاً انتظارُهُ لَه، بَطَلت صلاته. (ونية إمامَةٍ) أو جَماعَةٍ (سُنَّة لإمام في غيرِ جُمُعَة) لينالَ فَضْلَ الجَماعَةِ، وَلِلخُروجِ مِنْ خِلافَ مَنْ أَوْجَبَها. وتَصُحُّ نيَّتُها مع تحرُّمِهِ وَإِنْ لم يكن خلْفَه أحَدٌ، إن وَثَقَ بالجماعَةِ على الأَوْجَهِ، لأنه سَيَصير إماماً، فإن لم ينوِ، وَلو لِعَدَمِ عِلمِهِ بالمقتدين، حَصَلَ لهُم الفَضلُ دُونَه، وَإن نَواهُ في الأثناءِ، حَصَلَ لهُ الفَضْلُ مِن حِينئِذٍ، أما في الجمعة فتلزمه مع التحرّم. (و) منها: (عدم تَقدّمٍ) في المكانِ يقيناً (على إمامٍ بِعَقبٍ) وإن تقدَّمَتْ أصَابِعُه. أما الشَّكّ في التَّقدُّمِ فلا يُؤَثِّر ولا يَضُرّ مُسَاوَاتُهِ، لكنها مكروهة. (وَنُدِبَ وُقُوف ذَكَرٍ) ولو صبياً لم يَحْضَرْ غَيرُه، (عن يمينِ الإِمام) وإلا سُنَّ له تحْويلُهُ للاتِّباعِ (مُتَأَخِّر) عَنْهُ (قَليلاً)، بأَنْ تَتَأَخَّر أَصَابِعُهُ عَن عَقِب إِمَامهِ. وخَرَجَ بالذَّكرِ الأُنَثَى، فتَقفُ خلْفَه، مع مَزِيدِ تَأَخُّر. (فإِن جاء) ذَكَرٌ (آخرُ، أحْرَمَ عن يسارِه)، وَيتأَخَّر قليلاً، (ثم) بعد إِحرامِهِ (تأخّرَا) عَنه نَدباً، في قيامٍ أو ركوعٍ، حتى يصيرا صفاً وراءه. (و) وقوف (رجلين) جاءا معاً (أو رجال) قَصَدوا الاقتِدَاءَ بمُصَلَ (خلْفه) صَفاً، (و) نُدِبَ وُقوف (في صف أَوَّل) وَهُوَ مَا يلي الإِمامَ، وَإِن تخلَّلَهُ مِنْبَرٌ أو عمود، (ثُمّ مَا يليهِ) وهكذا. وَأَفْضَلُ كُلّ صفٍ يمينُه. وَلَو تَرادَفَ يمينُ الإِمامِ وَالصَّفُّ الأَوَّل قُدِّم فيما يَظهَر وَيمينُهُ أَوْلى من القُرْبِ إِليهِ في يساره، وإِدراكَ الصَّف الأوَّل أَوْلى مِنْ إِدراكِ رُكوعِ غير الركعةِ الأخيرة. أما هي: فإِن فَوَّتَها قَصْدُ الصَّف الأوّلِ فإِدراكها أَوْلى مِن الصَّفّ الأوّل. (وكُرِهَ) لمأمومٍ (انفرادٌ) عن الصف الذي من جنسه إن وَجَدَ فيه سَعَة، بَل يَدْخله. (وَشُروعٌ في صَفَ قبل إتمام ما قبله) من الصَّف، ووقوفُ الذَّكر الفَرْدِ عن يساره، ووراءه، ومحاذياً له، ومُتأخِّراً كثيراً. وكل هذه تُفَوِّتُ فَضِيلةَ الجماعَةِ كما صَرّحوا به . ويُسَنُّ أن لا يزيدَ ما بين كل صَفيْنِ والأوّل والإِمام على ثَلاثَةِ أَذْرُعٍ. ويقف خلف الإمام الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء. ولا يُؤَخَّرُ الصبيانُ للبالغين، لاتحاد جِنسهم، (و) منها: (عِلمٌ بانتقالِ إمام) برؤية له، أو لبعض صفّ، أو سَماعٍ لصوته، أو صَوت مُبلِّغٍ ثقة، (و) منها (اجتماعهما) أي الإمام والمأموم (بمكان) كما عهد عليه الجماعات في العصر الخالية، (فإِن كانا بمسجد) ومنه جِداره وَرحبته، وهي ما خرج عنه، لكن حُجِرَ لأجله، سواء أعُلمَ وَقفيَّتها مسجد أو جُهِلَ أمرُها، عملاً بالظاهر، وهو التحويط، لكن ما لم يتيقن حُدُوثها بعده، وأنها غير مسجد لا حَريمُه، وهو مَوْضِعٌ اتصل به وهُيِّىءَ لمصلحتِه، كانصبابِ ماء، ووضعِ نِعال (صحَّ الاقتداءُ) وإن زادَتِ المسافةُ بينهما على ثُلثمائَةُ ذِراعٍ، أو اختلفت الأبنية، بخلاف من ببناء فيه لا يُنْفُذُ بابُه إليه: سُمِّرَ، أو كان سَطحاً لا مَرْقى لَهُ مِنه فلا تَصُحُّ القُدْوَةُ، إذْ لا اجتماعَ حينئذٍ كما لو وَقفَ مَنْ وراءَ شُباك بِجدارِ المسجدِ وَلا يَصِل إليه إلا بازْوِرار أو انعِطافٍ بأن ينحرفَ عن جِهةِ القبلةِ لو أراد الدخولَ إلى الإِمام. (ولو كان أحَدُهما فيه) أي المسجد (والآخر خارِجَه شُرط) مع قُربِ المسافةِ بأن لا يزيد ما بينهما على ثلثمائة ذراع تقريباً (عَدَمُ حائلٍ) بينهما يمنعُ مروراً أو رؤية، (أو وقوفُ واحدٍ) من المأمومين (حِذاء مَنفَذٍ) في الحائلِ إن كان، كما إذا كانا ببناءين، كصحن وصفةٍ من دارٍ، أو كان أحدهما ببناء والآخر بفضاء، فيُشتَرطُ أيضاً هنا ما مرّ. فإِن حَالَ ما يمنعُ مُروراً كشُباكٍ، أو رؤيةً كبابٍ مردودٍ وإن لم تُغْلَقُ ضُبَّتُه، لمنعِهِ المشاهدة، وإن لم يمنع الاستطراق. ومثله السِّتر المرْخَى. أو لم يقف أحد حذاء منفذ، لم يَصُحّ الاقتداءُ فيهما. وإذا وقف واحد مِنَ المأمومين حِذاءَ المنفَذِ حتى يَرَى الإِمام أو بَعضَ مَن معه في بنائه، فحينئذ تَصُحُّ صَلاةُ مَنْ بالمكانِ الآخَرِ، تِبعاً لهذا المشاهِد، فهو في حقهم كالإِمام، حتى لا يجوز عليه في الموقف والإِحرام، ولا بأس بالتقدّم عليه في الأفعال، ولا يضرُّهم بُطلانُ صَلاتِه بعد إحرامهم على الأَوْجَهِ، كَردِّ الريح البابَ أثناءَها، لأنه يُغْتَفُر في الدّوام ما لا يُغْتَفَر في الابتداء. [فرع]: لو وقف أحدهما في عُلوَ والآخرُ في سُفلٍ، اشتُرِطَ عَدم الحيلولة، لا محاذاة قدمِ الأعْلى رَأسَ الأسفلِ، وإن كانا في غير مسجد. على ما دل عليه كلام الروضة وأصلها والمجموع خلافاً لجمع متأخيرين. ويُكْرهُ ارتفاعُ أحدِهما على الآخر بلا حاجة، ولو في المسجد.(و) منها (موافقةٌ في سُنَنٍ تَفْحشُ مخالِفةٌ فيها) فِعلاً أو تَركاً، فتبطُلُ صلاة من وَقَعَتْ بينه وبين الإمام مخالفة في سُنة، كسجدة تلاوة فَعَلها الإمام وتَرَكها المأمومُ عامداً عالمِاً بالتحريم، وتَشَهَّد أوّلَ فعله الإمامُ وتركَهُ المأمومُ، أو تَرَكهُ الإمام، وفَعلهُ المأمومُ عامداً عالماً، وإن لحقهُ على القُرب، حيث لم يجلِسِ الإمامُ للاستراحة لِعُدولِهِ عن فَرْضِ المتابعةِ إلى سُنّة. أما إذا لم تفحش المخالفة فيها فلا يضر الإِتيان بالسُّنّة، كقُنوتٍ أَدركَ مع الإِتيان به الإِمامُ في سجدته الأولى. وفارَقَ التشهُّد الأَوّلَ بأنه فيه أَحدَثَ قعوداً لم يفعَلْه الإِمام، وهذا إنما طَوَّل ما كان فيه الإِمام، فلا فُحشَ، وكذا لا يضرّ الإِتيان بالتشهد الأوّل إن جلسَ إمامُه للاستراحة، لأن الضارَّ إنما هُوَ إحداثُ جُلوسٍ لم يفعلْهُ الإِمامُ، وإلا لم يَجُزْ، وأبْطَلَ صَلاةَ العَالم العامِدِ، ما لم يَنْوِ مفارقَتَهُ، وهو فُراقٌ بعذر، فيكون أَوْلى. وإذا لم يَفرَغِ المأمومُ منه مع فراغ الإمام جاز له التخلّفُ لإتمامه، بل نُدِبَ إن علم أنه يُدرِك الفاتحةَ بِكمالها قبل رُكوعُ الإمام، لا التخلّفُ لإتمام سُورة، بل يُكره، إذا لم يلحَقِ الإمامَ في الركوعِ.(و) منها (عَدَمُ تخلُّفٍ عن إمام بِرُكْنيْن فِعْليين) مُتواليين تامّين (بلا عذر مع تَعَمُّد وعِلم) بالتحريم، وإن لم يكونا طويلين. فإن تخلف بهما بطلت صلاته لفحشِ المخالفة، كأن رَكعَ الإِمامُ، واعتدَلَ وَهوِيَ للسجودِ أي زالَ من حَدّ القيامِ والمأموم قائمٌ. وخرج بالفِعْليين القَوْليان، والقَوْليُّ والفِعْليُّ (و) عَدَمُ تخلّفٍ عنه معهما (بأكثر من ثَلاثِة أركانٍ طويلة) فلا يحسب منها الاعتدالُ والجلوسُ بين السجدتين (بعذرٍ أوْجَبَه) أي اقتضى وُجوب ذلك التخلّف، (كإِسراع إمام قراءة) والمأموم بُطيء القراءة لعجز خلْقيّ، لا لِوَسْوَسَةٍ أو الحركات. (وانتظامُ مأمومٍ سكْتَتَه) أي سكتَةَ الإمام ليقرأ فيها الفاتحة، فركع عَقِبَها، وسَهْوُه عنها حتى ركع الإمام. وشَكُّهُ فيها قبل ركوعه. أما التخلف لِوَسْوسَة، بأن كان يُردّد الكلمات مِن غيرِ مُوجبٍ فَليس بعذرٍ. قال شيخنا: ينبغي في ذي وَسوسةٍ صارت كالخلقيةِ بحيث يقطع كل مَن رَآهُ أنه لا يمكنهُ تَركُها أن يأتيَ فيهِ ما في بطيءِ الحركة، فيلزمُ المأمومَ في الصُّوَرِ المذكورة إتمامُ الفاتحة، ما لم يتخلف بأكثر من ثلاثة أركان طويلة، وإن تخلف مع عذر بأكثر من الثلاثة بِأنْ لا يفرغَ مِنَ الفاتحةِ إلاّ والإمامُ قائمٌ عن السُّجودِ أو جالِسٌ للتشهّد (فليوافِقْ) إمامَه، وُجوباً (في) الركن (الرابع) وهو القيام، أو الجلوس للتشهّد، ويترك تَرتيبَ نفسِه، (ثم يَتدارَك) بعد سلام الإمام ما بقيَ عليه، فإِن لم يُوافِقهُ في الرابعِ، مَع عِلمِهِ بوجوبِ المتابعةِ ولم يَنْوِ المفارَقَة بَطُلَتْ صَلاتُه، إن عَلم وتَعَمّد. وإن رَكعَ المأمومُ مع الإمامِ فشَكَّ هل قَرَأ الفاتحةَ، أو تَذكَّرَ أنه لم يَقْرَأْها؟ لم يَجُزْ له العَوْدُ إلى القيام، وَتَداركَ بَعدَ سلام الإمام رَكعةً. فإن عادَ عالماً عامِداً بَطلتْ صلاتُه، وإلا فلا. فلو تيقّنَ القراءَةَ وشَكَّ في إِكمالها فإِنه لا يؤثّر. (ولو اشتغل مسبوقٌ) وهو مَنْ لم يُدرِكْ من قيامِ الإمام، قدراً يَسَعُ الفاتحةَ بالنسبة إلى القِراءةِ المعتدلة وهو ضِدُّ الموافِق. ولو شَكَّ هل أدْرَك زمناً يَسَعها؟ تخلف لإِتمامها، ولا يُدرِك الركعة ما لم يُدرِكْه في الركوع (بسُنّة) كتَعَوُّذٍ، وافتتاحٍ، أو لم يشتغل بشيء، بأن سكت زمناً بعد تحرُّمهِ وقبل قراءته، وهو عَالم بأن واجِبَه الفاتحة. أو استمعَ قراءةَ الإِمام (قرأ) وجوباً مِنَ الفاتحةِ بعد ركوعِ الإِمام، سَواء أَعَلمَ أنه يُدرِك الإِمام قبل رَفعِهِ مِن سُجوده أم لا على الأوْجَه. (قَدْرَها) حُروفاً في ظَنه، أو قَدْرَ زَمَنٍ من سُكوته لِتقصيرِهِ بِعُدولِهِ عن فَرْضٍ إلى غَيره. (وعُذِرَ) مَنْ تخلَّف لِسُنّة، كبُطْءِ القراءِة على ما قاله الشيخان، كالبَغوِيّ لِوُجوب التخلّفِ، فيَتخلّفْ ويُدْرِك الرَّكعةَ، ما لم يُسْبَق بأكثر مِن ثلاثةِ أركانٍ، خِلافاً لما اعتمَدَهُ جَمعٌ محقِّقونَ مِن كونِهِ غيرَ مَعذورٍ لِتقصِيرِهِ بالعُدولِ المذكور. وَجَزَمَ بهِ شيخنا في شرح المنهاج وفتاويه، ثم قال: مَن عَبَّر بعذره فعِبارتُه مُؤَوَّلة. وعليه: إن لم يدرِكِ الإمامَ في الركوع فاتته الرَّكعة، ولا يَرْكع، لأنه لا يُحسَبَ له، بل يُتابِعه في هُوِيّه للسجودِ، إلا بطلت صلاته، إن علم وتعمّد. ثم قال: والذي يتجه أنه يتخلف لقراءة ما لَزِمَه حتى يريد الإمامُ الهُويَّ للسجود، فإِن كمل وافقه فيه، ولا يركع، وإلا بطلت صلاته إن علم وتعمد، وإلا فارقه بالنية. قال شيخنا في شرح الإِرشاد: والأقرب للمنقولِ الأوّلُ، وعليه أكثرُ المتأخرين. أما إذا رَكع بدون قراءةِ قدرها فتبطل صلاته. وفي شَرْحِ المنهاج له عن مُعْظَمِ الأصحاب: أنه يَرْكَع ويَسقُط عنهُ بَقيةُ الفاتحة. واختير، بل رجحه جمع متأخرون، وأطالوا في الاستدلال له، وأن كلام الشيخين يقتضيه. أما إذا جَهَل أن واجِبَهُ ذلك فهو تخلّفِه لما لَزِمَهُ مُتخلّف بعذرٍ. قاله القاضي. وخرج بالمسبوقِ الموافقُ، فإِنه إذا لم يُتمّ الفاتحةَ لاشتغالهِ بِسُنّة، كدُعاءِ افتتاحٍ، وإن لم يظنّ إدراك الفاتحةَ معه، يكون كبطيءِ القراءةِ فيما مَرّ، بلا نزاع. (وسَبْقُهُ) أي المأموم، (على إمام) عامِداً عالماً (ب) تمام (ركنين فعليين) وإن لم يكونا طويلين (مُبطِلٌ) للصلاة، لِفحشِ المخالفة. وصورة التقدّم بهما: أن يَرْكع ويعتدِلَ ثم يَهْوي للسجودِ مثلاً والإمام قائم، أو كأن يركع قبل الإمامِ، فلما أراد الإمامُ أن يركَعَ رَفَعَ، فلما أراد الإمامُ أن يركع سَجَدَ، فَلم يجتمِع معه في الركوعِ ولا في الاعتدالِ. ولو سَبَقَ بهما سهواً أو جهلاً لم يضرّ، لكن لا يُعْتَدُّ له بهما. فإذا لم يَعُد للإتيان بهما مع الإمام سَهواً أو جَهْلاً أتى بعد سَلامِ إمامِه بِركعَةٍ، وإلا أعادَ الصلاةَ. (و) سَبْقُهُ عليه عامداً عالماً (ب) تمام (ركن فعليَ) كأنْ رَكَعَ ورَفَعَ والإمامُ قائمٌ (حَرام) بِخلافِ التخلفِ به فإنه مَكروه كما يأتي، ومن تقدم بركنٍ سُنَّ له العَوْدُ ليوافقه إن تعمد، وإلا تخيّر بين العود والدوام. (ومقارنته) أي مقارنة المأموم الإمام (في أفعال)، وكذا أقوال غير تحرّم (مكروهة: كتخلف عنه) أي الإمام (إلى فراغ رُكنٍ) وتقدَّم عليه بابتدائه، وعِندَ تعمُّدِ أحَدِ هذه الثلاثة تفوته فضيلة الجماعة. فهي جماعَةٌ صحيحة، لكن لا ثوابَ عليها، فيسقُط إثمُ تَركها أو كَرَاهَته. فقَوْل جَمعٍ انتفاءُ الفضيلةِ، يلزمه الخروجُ عن المتابعةِ حَتى يصيرَ كالمنفردِ ولا تصحّ له الجُمُعَة، وَهْمٌ، كما بينه الزركشي وغيره. ويجري ذلك في كلّ مكروهٍ من حيث الجماعة بأن لم يتُصوَّر وُجودُهُ في غيرها. فالسّنة للمأموم أن يتأخّرَ ابتداءُ فعِله عن ابتداءِ فعلِ الإمام، ويتقدّمَ على فراغِه منه، والأكمل من هذا أن يتأخرَ ابتداءُ فِعلِ المأمومِ عن جميعِ حَركةِ الإمامِ، ولا يَشْرَعُ حَتى يَصلَ الإمامُ لحقيقةِ المُنْتَقِل إليه، فلا يَهْوي لِلرّكوع والسجودِ حتى يَستوِي الإمامُ راكعاً، أو تَصلَ جبهتُهُ إلى المسجدِ. ولو قارَنَهُ بالتحرمِ أو تبيَّن تَأخُّرُ تحرُّم الإمام لم تنعقدِ صَلاتُه ولا بأس بإِعادتِهِ التَّكبيرَ سِراً بِنيَّةٍ ثانية إن لم يشعروا، ولا بالمقارنة في السلام، وإن سَبَقَهُ بالفاتحة أو التشهّد، بأن فَرَغَ من أحَدِهما قبلَ شروع الإمام فيه لم يَضُر. وقيل: تجِبُ الإعادةُ مَع فعلِ الإمام أو بَعْده، وهو أَوْلى. فَعَليه إنْ لم يُعِدْه بَطلتْ. ويُسَنّ مراعاةُ هَذا الخِلاف كما يُسنّ تَأخيرُ جمِيعِ فاتحتِهِ عن فاتحةِ الإمامِ، ولو في أُولييِ السِّرِّيَّة إن ظَنَّ أنه يقرأ السُّورة. ولو عَلم أن إمامَهُ يَقْتَصِرُ على الفاتحة لزمَهُ أن يقرأها مع قراءِة الإمام. (ولا يَصُحّ قدوةٌ بمن اعتقدَ بُطلانَ صلاتِه) بإن ارتَكَبَ مُبْطِلاً في اعتِقادِ المأمومِ، كشافعيّ اقتدى بِحَنَفي مَسَّ فَرْجَه، دون ما إذا افْتَصَد نظراً لاعتقاد المقتَدِي، لأن الإِمامَ محِدثٌ عندَهُ بالمسِّ دون الفَصْدِ، فيتعَذَّر رَبطُ صلاتِه بصلاةِ الإِمامِ، لأنه عندَهُ ليس في صلاة. ولو شَكّ شافعيّ في إِتيانِ المخالِفِ بالواجبات عند المأمومِ لم يُؤثِّر في صحة الاقتداء به، تحسيناً للظن به في تَوَقي الخلاف، فلا يَضُرُّ عَدمُ اعتقادِه الوُجوب. [فرع]: لو قام إمامُه لزيادةٍ، كخامسةٍ، ولو سَهواً، لم يَجُزْ له متابَعَته، ولو مَسبوقاً أو شاكّاً في رَكعة، بل يفارِقه، ويسلم، أو ينتظره على المعتمد . (ولا) قُدوَةَ (بمقتدٍ) ولو احتمالاً، وإن بانَ إماماً. وخرجَ بمقتدٍ من انقطعَتْ قُدوَتُهُ، كأن سلم الإمامُ فقام مسبوقٌ فاقتَدَى به آخرٌ صحّت، أو قامَ مسبوقون فاقتدَى بعضُهُم ببعضٍ صَحَّت أيضاً على المعتمد لكن مع الكراهة. (ولا) قُدوَةُ (قارىء بأمِّي) وهو مَن يَخلُّ بالفاتحة أو بعضها، ولو بحرف منها، بأن يَعجَزَ عنه بالكُلية، أو عن إخراجِه عن مَخرَجِه، أو عن أصلِ تشديدةٍ، وإن لم يمكِنهُ التعلمَ ولا عَلمَ بحالِهِ، لأنه لا يَصْلح لتحمُّلِ القراءَةِ عنهُ لو أدْرَكَه راكِعاً. ويَصُحّ الاقتدَاءُ بمن يَجوزُ كونُه أمِّياً إلا إذا لم يجهَرْ في جَهْرِيَّة فيلزمه مفارَقَتهُ، فإِن استمر جاهلاً حَتى سلم لزِمتهُ الإِعادَةُ، ما لم يتبيّن أنه قارِىء. ومحلّ عَدم صحةِ الاقتداء بالأمّي: إن لم يَسْتَوِ الإمام والمأموم في الحرف المعْجوزِ عنه، بأن أحسَنَه المأمومُ فقط، أو أحَسنَ كلّ منهما غير ما أحْسَنَهُ الآخَر. ومنه أَرَتّ يدغمُ في غير محله بإِبدالٍ، وألثَغَ يبدلُ حرفاً بآخر. فإن أمكنَهُ التعلم ولم يتعلم لم تَصح صلاته، وإلا صَحّت كاقتدائه بمثله، وكُرِهَ اقتِدَاءٌ بنحوِ تأتاءَ، وفأفاءَ، ولاحِنٍ بما لا يُغيِّر مَعْنًى، كضَمِّ هاءِ "لِلّهِ" وفَتحِ دَال "نَعْبُدُ"، فإن لحَنَ لحناً يغيّر المعنى في الفاتحة ك "أنعمتَ" بكسرٍ أو ضمَ، أَبطَلَ صلاة من أمْكَنَهُ التَّعلم ولمْ يَتَعلم، لأنه ليْسَ بِقرآنٍ. نعم، إن ضاقَ الوقتُ صَلى لحُرْمَتِهِ، وأعادَ لِتَقْصِيرِهِ. قال شيخنا: ويظهَرُ أنه لا يأتي بتلك الكلمة، لأنه غير قرآنٍ قطعاً، فلم تتوقف صِحةُ الصلاةِ حينئذٍ عليها، بل تَعَمُّدها ولو من مثل هذا مُبْطِل. انتهى. أو في غيرها: صَحَّتّ صلاتُه، والقدوةُ به، إلا إذا قَدر وعَلمَ وتَعمّد، لأنه حينئذٍ كلام أجنبي. وحَيثُ بَطلت صلاته هنا يَبْطُلُ الاقتداءُ به. لكن للعالم بحالِه كما قاله الماوردي واختارَ السبكي ما اقتضاه قول الإمام ليس لهذا قراءة غير الفاتحة، لأنه يتكلم بما ليس بقرآن، بلا ضرورة مِنَ البُطلانِ مُطلقاً. (ولو اقتدَى بمن ظَنَّهُ أهلاً) للإمامة (فبانَ خِلافه) كأن ظَنّه قارئاً، أو غير مأمومٍ، أو رَجلاً، أو عَاقَلاً فبانَ أمّياً، أو مأموماً، أو امرأة، أو مجنوناً، أعادَ الصلاة وجوباً لتقصيرِهِ بِتركِ البحثِ في ذلك (لا) إن اقتدَى بمن ظَنّه مُتَطهِّراً فبانَ (ذا حَدَثٍ) ولو حَدَثاً أكبَرَ، (أو) ذا (خَبَثٍ) خَفيّ، ولو في جمعة إن زاد على الأربعين: فلا تجب الإعادة، وإن كان الإمامُ عالماً لانتفاءِ تقصيرِ المأمومِ، إذ لا أمارَة عليهِما، ومِن ثم حَصَلَ له فضلُ الجَماعَةِ. أما إذا بانَ ذا خَبَثٍ ظاهِرٍ فيلزمه الإعادَةُ على غير الأعْمَى لِتقصيرِهِ، وهو ما بظاهر الثَّوبِ، وإن حال بين الإمامِ والمأمومِ حائل. والأَوْجَهُ في ضبطِهِ أن يكونَ بحيثُ لو تأمَّلَهُ المأمومُ رآه، والخفيّ بخلافهِ. وصَحّح النوويّ في التحقيق عدَمَ وجوبِ الإِعادَةِ مُطلقاً. (وَصَحَّ اقتداءُ سليم بسَلِسٍ) لِلبَوْلِ أو المَذْيِ أو الضُّراطِ، وقائمٌ بقاعِدٍ، ومُتَوضّىءٌ بمتيممٍ لا تَلزَمْهُ إعادَة. (وَكُرِهَ) اقتِداءٌ (بفاسقٍ ومبتَدعٍ) كرافِضيّ، وإنْ لم يوجَدْ أحدٌ سواهما ما لم يَخْشَ فِتْنَةً وقيل: لا يَصُحّ الاقتِداء بهما. وكُرِهَ أيضاً اقتداءٌ بموسوسٍ وأقلَفَ، لا بِوَلدِ الزنا، لكنه خلاف الأولى. واختار السبكيّ ومن تبعَه انتقاءَ الكراهَةِ إذا تعذّرَتِ الجماعةُ إلا خلفَ مَنْ تُكرَه خلفَه، بل هي أفضل من الانفراد. وجَزَم شيخنا بأنها لا تزول حينئذ، بل الانفرادُ أفضلُ منها. وقال بعض أصحابنا: والأَوْجَهُ عندي ما قاله السبكيّ رحمه الله تعالى. [تتمة]: وعُذرُ الجماعة كالجمعة، مطرٌ يبلُّ ثوبَه لِلخَبرِ الصّحيح: "أنه أمَرَ بالصلاة في الرّحالِ يَومَ مَطَرٍ يبلّ أسفَلَ النعالِ" بخلاف ما لا يبله. نعم، قطر الماء من سقوف الطريق عُذرٌ، وإن لم يَبُلّه، لغلبة نجاسَتِه أو استِقْذَارِه. وَوَحْلٌ لم يَأمَن معه التّلوّث بالمشي فيه أو الزَّلق، وحَرّ شديدٌ، وإن وَجَد ظِلاًّ يمشي فيه، وبَردٌ شديد، وظُلمةٌ شديدة بالليل، ومَشَقةُ مَرَضٍ وإن لم تُبحِ الجلوسَ في الفرضِ، لا صُداعٌ يَسيرُ ومُدافَعةُ حَدَثٍ من بولً أو غائطٍ أو ريح، فتُكْرهُ الصلاةُ معها. وإن خاف فَوْتَ الجماعة لو فَرّغ نفسَه كما صرح به جَمْعٌ وحُدوثها في الفَرْضِ لا يُجوِّزُ قَطْعَه، ومحلّ ما ذكر في هذه: إن اتّسَعَ الوقتَ، بحيثُ لو فَرِّغَ نفسه أدرَكَ الصلاةَ كاملةً، وإلا حَرْمَ التّأخيرُ لذلك. وفَقْدُ لباسٍ لائقٍ به وإن وَجَدَ ساتِرَ العَوْرَة، وسَيْرُ رُفقةٍ، لمُريد سَفرٍ مُباحٍ وإن أمِنَ، لمشَقة استيحاشِه وخَوفُ ظالمٍ على مَعْصومٍ من عَرضٍ أو نفسٍ أو مالٍ، وخوفٌ مِن حَبسٍ غريمٍ مُعسِرٍ، وحُضورُ مريضٍ وإن لم يكن نحو قريبٍ بلا متعهّد له، أو كان نحو قريب محتضراً، أو لم يكن محتضراً، لكن يأنس به، وغَلَبَةُ نعاسٍ عند انتظارِهِ للجماعةِ، وشدَّةُ جوعٍ، وعطَش، وعمى حيث لم يجد قائداً بأجْرَةِ المِثْلِ. وإن أحسَنَ المَشْيَ بالعصا. [تنبيه]: إن هذه الأعذار تمنعُ كراهةَ تركِها حيثُ سُنّت، وإثمَهُ حيثُ وَجَبَت، ولا تحصَل فضيلةُ الجماعَةِ كما قال النوويّ في المجموع، واختار غيره ما عليه جمع متقدمون من حصولها إن قَصَدَها لولا العُذر قال في المجموع: يُسْتحبُّ لمن ترك الجُمَعة بِلا عُذرٍ أن يَتَصدّقَ بدينارٍ، أو نصفَه، لخبرِ أبي داودَ وغيره.

↑ Вернуться к основной главе